الأربعاء، 1 مايو 2019

مطحنة بريك...أصل الحكاية ومحاكاة الماضي





كتبت:آلاء أبو ذراع, عبير بني عودة

بين زقاق احد أحياء مدينة نابلس القديمة التي تقع في الجهة الجنوبية الغربية ( حارةالياسمينة), حيث مطحنة بريك, ما إن تدخل أبوابها حتى تهب رائحة التوابل والبهارات التي تصنع بالطريقة اليدوية الشهية, ورائحة العطارة الزكية  المستوردة من بلاد الشام ولا ننسى صوت الآلات القديمة التي تعم في المكان.

في ساعات الصباح الباكر يستيقظ الخمسيني أبو بهاء مستقبلا نهاره الشاق بفنجان قهوة ساخن وصوت فيروز الجميل, بعد ذلك يتجه إلى مكان عمله لجلب رزقه ليستقبل الزبائن بوجهه البشوش وعزيمته القوية.

مهنة أجدادي

 يجلس الخمسيني باسل بريك أبو بهاء على كرسيه الخشبي من القش القديم الذي صنعه بيده في متحف شعبي بلمسات متنوعة من التراث الشعبي القديم ويبدأ كلامه عن تاريخ مطحنته قائلا:"تأسست مطحنة بريك منذ عام 1936 على يد جدي المرحوم عبد الفتاح بريك, كانت متخصصة فقط لحرفة العطارة والأعشاب, وبدايته كانت في محل قديم بالبلدة القديمة بالقرب من جامع الحنبلي".

ويتابع"ببداية التسعينات انتقلنا إلى هذا المبنى القديم في حارة الياسمينة, بعد أن أورثنا جدي هذه المهنة وأصبح أبي الوريث لها ومن ثم أبناءه, كان بالبداية هذا المبنى يعمل في صناعة الصابون لأكثر من 400 عام منذ عهد العثمانيين في فلسطين".

وعن سبب تسمية المكان بهذا الاسم يقول مالكه: "سبب اختيارنا لهذا الاسم هو كنية لعائلتنا بريك, وهي من عائلات نابلس القديمة والمعروفة في مجال صناعة البهارات بجميع انواعها والأعشاب والزعتر والبلدي والعطارة".

"من كان عمري سبعة عشر وأنا في هذه المهنة مع والدي, أحببتها منذ صغري وافتخر بما توارثناه من أجدادنا من وصفات شعبية, وعملت جاهدا على تطوير هذه الحرفة وتجديد الأدوات"يستذكر  أبو بهاء ماضيه بهذه الكلمات.

حيث تم إعادة ترميم المطحنة في عام 2016 على يد باسل بريك, وقال في حينها إن المطحنة أصبحت لوحة تاريخية جميلة ستعجب السياح والزائرين وستجذبهم   القديمة بما فيها حارة الياسمينة.

زهور وعطور

ويتابع أبو بهاء "تعلمت أصول المهنة أبا عن جد ,فتعلمت صناعة العديد من الأعشاب والبهارات والعطارة حتى قمت بتطويرها وعمل إضافات عليها لتناسب التطور الصناعي وصناعة الكيماويات, فنبيع هنا الصابون النابلسي بزيت الزيتون  وأنواع مختلفة من صابون الأعشاب, والزعتر البلدي, الزهورات, البابونج, الحنة,الكمون, الورود المجففة, الزيوت المتنوعة, والطحينة إضافة إلى العطور والبخور, وغيرها".

ويهتم أبو بهاء بصناعته ما يناسب الطقس وما يحتاجه المواطن فهناك أعشاب شتوية مثل يانسون والبابونج, وأعشاب صيفية مثل الكركديه والخروب والسوس.

مزار شعبي

وما إن تقترب من نهاية الممر في المطحنة حتى تجد أمامك الزاوية التراثية التي أنشاؤها أبو بهاء بيده محملا إياها بحبه وشغفه للتراث القديم, متحف شعبي يشهد عن العديد من التراث والحقبات التاريخية القديمة.

يقول أبو بهاء عن سر جاذبية المطحنة:" ما يميز هذا المكان هو البناء المعماري التاريخي والقديم والأقواس وقناة العقد بشكل عام".

ويتابع :"من احد هوايتي كانت هو تجميع التراث القديم, ففكرت بان مبنى المطحنة قديم جدا ومن الجميل لو أنشئت هذه الزاوية لتخدم المطحنة من ناحية للدعاية ومن ناحية أخرى الحفاظ على التراث ".

والهدف الرئيسي الذي تتحدث عنه باسل لإنشاء هذه الغرفة العربية القديمة التي كانت بالأصل مخزن للجفت, هو جذب السياح للمحافظة على التراث, وحتى يروا مدى تعلق  الشعب الفلسطيني بأرضه ولنثبت لهم انه على هذه الأرض لنا حضارة وتاريخ من جهة, والتعرف على مدينة نابلس والبلدة القديمة من جهة أخرى.

 ويكمل حديثه بابتسامة اعتزاز بما جمعه من أدوات على مر السنوات “هذه الغرفة مليئة بكل ما يخطر في بالك من تراث العرب القديم منه من اشتريته من الأردن وبلاد الشام أو من فلسطين ومنه من كان يتبرع به أبناء نابلس لوضعه في هذا المزار المجذب للجميع".


فيمتلك أبو بهاء المهباش القديم  لدق حبوب القهوة المحمصة ,والبابور القديم الذي كان مشهور قديما في بلاد الشام, والمذيع القديم الذي كان يسمى بصندوق الأغاني, وغيرها من الآلات الموسيقية القديمة والحديثة مثل الربابة والجيتار والبيانو,  الكراسي المصنوعة من القش, هيكلين من الصابون النابلسي حتى من يقع نظره عليهم يتذكر دائما أن بداية هذا المكان كانت صبانة.

بيع وشراء

كثيرون ممن يمرون من حارات البلدة القديمة, حتى يصلون الى حارة الياسمينة  بالقرب من مطحنة بريك, وأول ما يواجه السائر هو العطس الشديد والحرقة في الأنف نتيجة الروائح المنتشرة في المكان, لكن هذا لم يكن عائق في وجه بل تجتذبهم للدخول إلى المطحنة حتى يكتشفوا ما وراء هذا المبنى القديم والضخم.

يستدرك أبو بهاء بابتسامة رضا:" حركة الزبائن ممتازة, ومن لا يعرف المطحنة يزورها من مدح السياح الآخرين, فالمنطقة الموجودة فيها المطحنة (حارة الياسمينة)هي اكبر منطقة بالبلدة القديمة ولها جذور قديمة جدا".

ويبين أن نسبة الزوار كبيرة من الأوروبيين, وتنشط حركة السياح في كانون الثاني وكانون الأول بسبب الأعياد المسيحية, وفي فصل الصيف.

ويتابع أبو بهاء:" لا نستورد بضاعة بطريقة مباشرة من الخارج, فنشتري البضاعة المحلية من تجار قدماء في هذه الحرفة, والبيع لدينا بأسعار أفضل من السوق ومناسبة للجميع".

وأمثال أبو بهاء بريك حريصين على إعادة الحياة التجارية والاقتصادية والثقافية في البلدة القديمة لما كانت عليه في القديم, من خلال وجودهم في أزقة البلدة القديمة يكافحون من أجل الحفاظ على عراقة أصولهم وبقاء مهنتهم, على الرغم من انتقال العديد إلى قلب البلد بسبب التطور التجاري والصناعي .













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق